كان لابد أن أكتب عن هذه الرحلة منذ اللحظات الأولى لوجودى هناك..ورغم أن هذه الكتابة جاءت متأخرة لمدة أسبوع منذ عودتى-مضى الآن أسبوعين على ذلك-إلا أن ما رتكيته فى نفسى وقلبى من ذكريات..يحتاج إلى سنوات لنسيانه, خاصة الأقصر..وتحديداً ذلك فى هذا المعبد السامق هناك..معبد الأقصر...؟
ورغم أن هذه كانت نهاية الرحلة وأن هذه أولى كلماتى, إلا أن ما حدث هناك كان أشبه بالجرح الغائر..أو النقش العميق..إنه نقش منة هذه النقوش الفرعونية التى يحلو للمرأ أن يتأملها كلما رآها, وإما أن ينشغل عنها كلية فيرحل بين ذاكرته أو فى وجوه الأشخاص من حوله..أو فى صدى الكلمات..وإما أن يتأملها..؟! وإذا كان التأمل فلا خيار أمامه..إنه يغوص فى أعماقها دون أن يدرى ودون رغبة فى الفرار منها ومن هذا التأمل..؟
إنها أشبه بسفينة الفكر التى تحملك دون أن تدرى إلى حيث لا تدرى..؟ وكل ما عليك أن تذهب إليها وتمتطيها..ثم..ثم لا تفعل شيئاً..إنك تستكين صامتاً أمام هذا السكون الذى يخيم على المكان..إنك الآن فى عهد من العهود السابقة..حيث كان الفراعنة..حيث كانت هذه الدولة..مصر القديمة...؟
ماذا فعلوا..وكيف فعلوا..؟ هل العظمة فى أنهم نقشوا هذه النقوش..وتركوا هذه الآثار..؟ أم العظمة فى أنهم فكروا فى تخليد ذكراهم وذكر ما وصلوا إليه, فأبدعوا فى الذكر وأبدعوا فى التخليد..؟ أم العظمة فى ما وصلوا إليه..ورهبة التفكير فى إبداعهم وصنعهم..؟
إنها الأسئلة التى تطوف ذاكرتك..وتنهش فى عقلك..كلما وجدت نفسك واقفاً أمام هذه الآثار..وتلك النقوش..وقفة المتأمل..دون أن يدرى..؟! وهى ذات الأسئلة التى طافت..ولاتزال تطوف بعقلى وذاكرتى وأنا أكتب هذه الكلمات..؟
ثم هذا المشهد الرائع..إنه العناق..العناق بين حضارة الماضىٍ..وحضارة الحاضر..إنه اللقاء الذى ترى وتحس حلاوته..وأنت تنزل درجات سلم معبد الكرنك-إذا ما شاركت فى برنامج الصوت والضوء-حيث السكون..والظلام..والتهيب..والترقب..والتشوق..ومئات الكاميرات تشتعل أضوائها لتحاول استكشاف الطريق واستجلاء الغموض عن الماضى..الكل يصور..الكل يشعل أضواء كاميراته, إنهم يبحثون عن لقطة ضالة تحدثهم عن الماضى, وتجسد لهم بقاياه فى الحاضر, إنها الرغبة فى الفهم والمعرفة
إنهم يسيرون الآن فى سكون..فى صمت..فى ترقب..كل ما تراه هو الكاميرات والأضواء..أما الصوت فهو عناق آخر..إنه صوت الأحفاد الذين جاؤا يرددون عبر تسجيلاتهم ومكبرات الصوت الخاصة بهم وبحضارتهم ماضى الأجداد..إنه الصوت الذى يأتى من جميع الجنبات مجلجلاً فى عمق..متتابعاً فى سرعة..متلاحقاً فى مرونة..وإذا بك تلتفت هنا..وهنا..وهناك..؟ بل هنا..؟ إنه فى كل مكان..إنه يأتى من كل مكان بحيث لا تستطيع تتبعه..إنه صوت الماضى بلسان الحاضر..إنه عبق الزمان.. بآلات الحاضر..؟
إنها اللفتات التى تحكى لك فى كل مرة عن شىء جديد..وأمر آخر..وعليك أن تركز .. وترهف السمع .. فكما مضى الماضى سريعاً ووصل إليك .. سيمر الصوت أسرع فعليك أن تترقبه .. وإلا سيفوتك ..؟
ومع اللفتات تقع عينيك على الأعمدة أو على النقوش التى تظهر مع اشتعال الأضواء .. تنبعث منها الحركة .. تشتعل فيها المرونة .. وأنت تستمع إلى مكبرات الصوت وهى تردد قصة هذا المكان أو ذاك ..؟ دونما تمهل .. دونما تريث .. فلا وقت للتريث ولا للتريث ولا للتمهل فما هناك كثير .. وما يمكن أن يقال أكثر .. أما ما يمكن أن تسمعه أو تراه فهو أقل ..؟! ولذا فعليك أن تتبع المعنى .. أن تتبع الآثر الذى تولد فى نفسك ونقشته هاتين الحضارتين .. حضارة الماضى.. وحضارة الحاضر .. حضارة الفراعنة.. وحضارة الغرب ..؟
وأنت بينهما تائهاً..حائراً..ضالاً..إلى أين تنتمى..وأين يجب أن تكون..الحقيقة أنك يجب أن تنتمى إلى نفسك..وحضارتك أنت.. لاحضارة غيرك ؟! أن تؤسسها بنفسك.. لا أن تنتظر أنتجيئك قائمة بذاتها.. جاهزة دون تعب أو مجهود ..؟
وهناك حيث البحيرة المقدسة فى معبد الكرنك حيث كان يتطهر عمال المعبد .. ترى عن يمينك وأنت جالس فى الأعلى فى مقصورة المشاهدين .. الأقزام العمالقة ..؟! المرتفعين عن المكان .. والناظرين إليه من أسفل ..؟
إنها الرغبة والدهشة التى تنبعث من أنفسهم فتجعلهم ينظرون لأعلى إلى هذه الأبنية السامقة .. فيكونون أقزام ..! وهو المكان المرتفع الذى شيدته أياديهم ليكونوا عمالقة ..!؟
هنا عن يمينك تجد مسلتين فى أول المعبد .. شاهقتين .. إحداهما كانت الملكة حتشبثوت تريد أن تجعلها من الذهب وتهديها لأحد الملوك .. ولكنها لم تستطع فاكتفت أن تجعلها هكذا من الحجر ..!؟
وهنا أيضاً عن يمينك وعن شمالك تجد النخيل .. النخيل الذى لا يقل شموخاً عن هذه الأبنية .. يحملك من عالم الأحجار .. إلى عالم الأشجار .. إنه تعانق غريب .. وتناقض أغرب .. تستشعر أن النخيل دخيل على هذا المكان فى أول الأمر .. ثم بعد ذلك .. تشعر أنه جزء من هذا المكان ..؟
بل هو جزء هام .. ربما هو الحارس الذى حرس المكان .. ربما هو الجزء من الطبيعة الذى جاء يذكرك بجمال آخر كى لا تنساه .. إنه جمال الطبيعة .. إنه جمال الخلق ..؟
وكذلك المروج الخضراء .. فهناك على الجانب الأيسر وأمام أحد أبنية المعبد هناك مساحة كبيرة من الخضار .. ممتدة أمامه فى مشهد مهيب .. ورائع .. إنها الأشجار .. والأزهار والأنوار .. إنه العبق والظلام والسكون .. وأضواء الكاميرات ..!؟ التى لاتزال تشتعل فى ظلام الليل .. وسكون المكان .. تبرق فجأ .. ثم تختفى فجأة .. وكأنها خجلة لأنها بددت هذا الإغراق .. وهذا التأمل فى المكان ..؟
فتراها تنسحب فجأة قبل أن تراها .. قبل أن تلحظها .. إنها فقط أرادت أن تقبل الأرض وتقبل المكان فى لقطة حانية لتحتفظ به فى ذاكرتها وذاكرتك ..!؟ إنها كلمات الحاضر .. وصور الماضى ..؟
فإذا نظرت لأعلى.. أو للأمام قليلاً ستجد ما هو أروع .. وما هو أجمل .. وما هو أعلى .. وما هو اعظم وكأنه يناديك .. يوقظك .. يهزك فى عنف .. إنها السماء .. إنها النجوم .. إنها العظمة .. عظمة الله ..؟
إنها العظمة التى تتحدث فى صمت .. وفى صوت عالٍ أنها الأبقى .. أنها الأعلى .. أنها تظلل كل ما حولك وتعلو عليه .. إنها ترقبه وترقبك ..! إنها تخبرك بأن هذه الآثار مات أصحابها .. وكنت أنا شاهدة عليهم .. والآن هذه آثارهم وأنا شاهدة عليك .. ومن قبلهم ومن بعدهم .. أنا هناك حتى ولو لم تكن أنت هناك ..؟
فالكل يتغير والوقت يتغير .. والزمان يتغير .. وتبقى إلى الأبد عظمة هذا البناء وهذا الشىء .. إنها السماء .. فى كل مكان .. وكل زمان .. إنها عظمة الله ..؟



6 comments:
اسلام
مع وجود اكثر من مدونة لك احترت فى ايجاد تفسير لذك فكنت دائمة الزيارة لمدونة قصائدى وحياتى ولم ادرك انك تكتب فى هذه المدونة
معك عدت بالذاكرة الى زيارتى لهذه الاماكن والى اسئلة خطرت على بالى وقت مشاهدة هذه الاثار
هل مر العالم فى المرحلة البائنة بتطور ما فاق كل تصور خلاله تم تخليد كل ذلك ثم اندثر وبقت اثاره
هل كانت هذه العصور هى عصور النحت والتطور الذى ما زال العالم رغم سرعة تطوره يحاول فك تلاصمه ومعها كان التطور فى كل المجالات كما تشير الرسومات والنحوت
هل يعقل ان ان تكون النهاية عكسية بمعنى ان نبدا بحضارة متطورة تفوق اى حضارة وننتهى بقمة فى التخلف لا يوجد اى تفسير منطقى لها
من تأملاتك تشير الى حضارة انسانية لم نستفيد منها شىء بل خلقنا حضارة اسوء ما تكون واعتنقناها متصورين انها حضارة وما هى غير عمق التخلف
فى تاملاتك نظرة الى ابداع الخالق من اول خلق الانسان الذى هو كينونة مبدعة على الارض لكل شواهد وايات الله فى الكون
اشكرك على التدوينة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
توته
كم أنا سعيد .. سعيد لأمرين
الأول, أننى تلقيت تعليقا منك بعد البوست الذى نشرتيه والذى ظننته ذهابا لا عودة فيه لعالم التدوين مرة أخرى
الثانى, لأننى كثيرا ما انتظرت تعليقا منك على بعض تدويناتى فى تأملات حالمة خاصة التدوينة السابق " النت شبكة واحدة بتفرقنا كلنا " والحمد لله ها قد نلت مرادى
أما سبب كثرة المدونات ولا أخفيك سرا أنه أمر يرهقنى أنا أيضا ولكن له تفسيره, أول مدوناتى كانت " دعوة للفكر " ولما فتحتها ذات يوم ولم أجد ما نشرته عليها مكتوبا وكأنه مسح بأستيكه, تضايقت واحتفاظا بذكراها تركتها ... وإن كنت بصدد إلغائها بعد بعض العمليات, أما مدونتى الأخرتين .. فإحداهما أردت منها نشر موضوعات باللغة الإنجليزية لتوضح صورة الإسلام الحقيقية ولكن للأسف توقفت, أما " قصائدى وحياتى " فهى حيث مرفأ الذاتية حيث أنا اسلام, حيث كنت أنوى نشر قصائدى وبعض خواطرى, وها أنا أفعل على استحياء
يبقى أن أخبرك أننى أسعى إن شاء الله للتقليل من عدد مدوناتى ؟
نعم يا توته العزيزة, لقد ركنا الى حضارة حقيقية عظيمة, نرتع فى امجادها لننسى مصائب الحاضر أو " ضآلتنا ", كما أننا غفلنا عن عظمة أخرى, وهى عظمة الله الخالق, وعظمة ما أبدع والذى منها ديننا الحنيف
ورغم ما يقال عنا من أننا متدينين بطبعنا
إلا أننا قمنا بما قمنا به مع حضارة القدماء, انتمينا اليها فقط دون أن ندرسها ونمحصها ونعليها وربما نتفوق عليها
ويبدو أننا أبدعنا فى فن الركون والتمسح فى الحضارات والأشياء الخالدة العظيمة
شكرا على زيارتك الغلية حقا توته العزيزة
السلام عليكم
السلام عليكم
اولا تحياتى لك على هذا الوصف الجميل الذى نقلنا الى المكان
ثانيا : تذكرت بكلامك هذا "النعرة الفرعونية"التى اصبحنا مهتمين بها اكثر من واقعنا , هذه النعرة التى نجدها فى الكليات متمثلة فى تمثال مثلا او نجدها على هيئة نقوش فى الشارع المصرى عموما . فتحولنا الى اهتمام بماضى و احتمينا به تحاشيا ان ندرك واقعنا . لا اطالب بان لا نهتم بهه الاثار , و لكن المهم الا ندور فى دائرة من العبثية و ان نعلم ان هناك عظمة لا تماثلها شىء , فهى كما قلت عظمة الله
السلام عليكم
مسلمه
جزاك الله خيرا على التاج أولاً, ولقد أجبت عليه بالفعل ولكنى أضعه فى الدرافت إلى أن أنشره إن شاء الله, ولقد أجبت على التساؤلات التى أضفتيها والتى وجدت أنها جيدة فعلاً لذا طالبت أن تجيبها أنت أيضاً
وأتفق معك أننا لابد أن ننشغل بأنفسنا واقعنا وبناء حضارتنا نحن ولا نحتمى ونتشبث بحضارارت غيرنا وبعظمة الماضى
وإنما نستمدها من عمل الحاضر ومن العظمة الخالدة لله فى كونه
تحياتى
اسلام سلاسة اسلوبك وبساطته بها كثير من متعة للعقل والقلب
سعيدة بما قرات
Moslma-N
لا اتفق معكى انها نعرة
فمن تحدث عنهم ونتحدث عنهم كلنا هم لنا تاريخ نفخر به ونباهى به العالم
ولتتذكري ان تاملنا لما تركوه من أثر هو سبيل لنا لان نتذكر عظمة هذا الآله العلى القدير
الله الذى اوجد انسان بهذه القدرة على الابداع
حقا
فى كثير من الاحيان عندما ادخل الى معرض لاحد الرسامين او النحاتين او اقرأ احد الاعمال القصصية او الشعرية لاديب ما
واقف مبهورة مجهدة من احساسي بالجميل فى اعماله
وبعد فترة صمت
لا يخرج من لسانى الى كلمات صدقها قلبي بكل ما اصابه من اجهاد بسبب الاحساس بالجميل
تخرج كلماتى لاقول
سبحان من خلق هذا الانسان المبدع
حقا
هم اداه للتعرف على قدرة صاحب كل شيء
الله
فريدة
السلام عليكم
سعيد جدا بمرورك الغالى ، وجزاك خيرا على إثنائك وإطرائك على أسلوبى
وأرى أنه لا تناقض بين استيعابك واستيعاب مسلمه
فالهدف واحد تأمل ما حولك ليدلك على الخالق فى كل شىء
ملء الله صدرك وعقلك بالحكمة أختى الكريمة
السلام عليكم
Post a Comment